الشيخ السبحاني

25

الحياة البرزخية في ضوء الكتاب والسنة والعقل الصريح

الأرض ، بل ملَكُ الموت الموكَّل بكم يأخذكم تامّين كاملين من أجسادكم أي ينزع أرواحكم من أبدانكم ، بمعنى قطع علاقتها من الأبدان ، وأرواحكم تمام حقيقتكم ، فأنتم أي ما يعنى بلفظة « كم » : محفوظون لا يضل منكم شيء في الأرض ، وإنّما تضلّ الأبدان ، وتتغيّر من حال إلى حال ، وقد كانت في معرض التغيّر من أوّل كينونتها ، ثم إنّكم محفوظون حتى ترجعوا إلى ربكم بالبعث ورجوع الأرواح إلى أجسادها . وبهذا تندفع حجّتهم على نفي المعاد بضلالهم سواء أقرّرت على نحو الاستبعاد أم قُررّتَ على أنّ تلاشي البدن يُبطل شخصية الإنسان فينعدم ، ولا معنى لإعادة المعدوم ، فإنّ حقيقة الإنسان هي نفسه التي يحكي عنها يقول « أنا » وهي غير البدن ، والبدن تابع لها في شخصيته ، وهي تتلاشى بالموت ولا تنعدم ، بل محفوظة في قدرة اللَّه حتى يؤذن في رجوعها إلى ربها للحساب والجزاء فيبعث على الشريطة التي ذكر اللَّه سبحانه » « 1 » . الآية الثانية : قال سبحانه : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » ( الفجر / 27 - 30 ) . فالآية لم تخاطب جسد الإنسان وأعضاءه كما ترى ، بل واقعه وحقيقته التي يعبَّر عنها الذكر الحكيم بالنفس ، واختار من بين النفوس الكثيرة النَفس المطمئنة وهي التي تسكن إلى ربَّها ، وترضى بما رضي به

--> ( 1 ) الميزان : ج 16 : ص 252 .